(شجرة الفرصاد ( 1 )؛ من سيرة المكان والطفولة لسيف الرحبي أنموذجا)
ابتسام الحجري
“الخيال القوي يصنع الحدث ( 2 )”
(ميشيل دو مونتيني/ Michel de Montaigne)
المقدمة:
تُعدّ كتابة السيرة الذاتية فعلًا قائمًا على الذاكرة واستدعاء أحداث الماضي، ولا يتم هذا الاستدعاء
إلا بوجود قادح يعمل على تحريك الذاكرة واسترجاع صورها. ويمكن أن يكون هذا القادح مثيرًا
حسيًا؛ كالتذوق، أو الشم، أو السمع، أو اللمس، بحيث تستدعي الحواس تفاصيل ارتبطت بمواقف
أو خبرات سابقة. كما يمكن أن يتمثل القادح في سؤالٍ يفتح مجالًا للتذكر، فيربط الحاضر
بالماضي.
ويشكّل نص سيف الرحبي شجرة الفرصاد: من سيرة المكان والطفولة ( 3 ) نموذجًا دالًا في هذا
السياق؛ إذ تنثال ذكريات الكاتب من مشهدٍ معاصر يتمثل في انغماس ابنه في الألعاب
البلاستيكية، ليعود عبر الذاكرة إلى طفولته هو، وما ارتبط بها من فضاءات طبيعية وتجارب
حياتية مختلفة. ثم يتعزز فعل التذكر من خلال سؤال يطرحه ابنه الآخر (عزّان) عن الخفافيش،
فيقدّم له إجابة تستحضر طفولته في قرية “سرور” وبيت خاله أحمد الرمضاني، حيث يقوده
السؤال البسيط إلى استدعاء متسلسل لصور المكان والطفولة: “يسألني عزان وهو في غمرة
اللعب بعطلته الصيفيّة التي بدأت منذ فترة وكان يقلب أكثر من حيوان، في مسرح اللعب
والأحلام (ما هذا الطائر….؟).. بعد سرحان وتردد؛ إذ كنت منشغلا عنه، وعن عالمه
الطفولي (خفّاش) ويُدعى أيضا في عُمان بالجَدلْ.. وأردف سؤالا آخر، من أين تعرف
الخفّاش يا بابا؟، أجبته وقد حملتني آلة الزمن الضوئية إلى تلك العهود الغاربة، من بلدة
(سرور): عرفت الخفّاش ذلك الثعلب الطائر من تلك القرية، أشجارها ومقابرها لكن ما
يتجلّي ساطعاً في هذه اللحظة التي باغتني فيها عزان بالسؤال، ذلك البيت المهجور في حلة
(النطالة) حيث كان يسكن خالي أحمد بن محمد الرمضاني( 4 ). ومن ثم يتحول النص السيري
إلى فضاء زمني متداخل يمزج بين الحاضر والماضي، وبين الذاكرة الفردية والجماعية.
وعليه، فإن دراسة السيرة الذاتية تنتمي من حيث أساس كتابة السيرة إلى دراسات الذاكرة، التي
تندرج ضمن ما يُعرف بـ فلسفة العقل (Philosophy of Mind)، وتُدرج اليوم في نطاق
الدراسات المعرفية (Cognitive Studies). ؛ وذلك لأن السيرة الذاتية بوصفها نصا إبداعيا
تقوم على ذاكرة كاتبها لحقبة زمنية من حياته، يعمل على كتابتها بسبب قادح ما، كموقف يمر به
يعيده إلى تلك الحقبة.
وبناءً على هذا التداخل، تنطلق هذه الدراسة من السؤال الآتي: ما العوالم النصية التي شيّدتها
الذاكرة في كتاب شجرة الفرصاد: من سيرة المكان والطفولة لسيف الرحبي؟
ذاكرة سيف الرحبي في شجرة الفرصاد:
من خلال “شجرة الفرصاد” نجد أن الكاتب انطلق في ذكرياته، عن طفولته المتشعبة والمتنوعة
في مشاربها وتجاربها، فكانت الذاكرة تتحرك في جهات مختلفة، ويمكن تمييز عمل هذه الذاكرة
عبر أربعة فضاءات أساسية:
١. فضاء الزمن:
يشكّل زمن الطفولة المرتكز الأول لذاكرة الرحبي، حيث اتسمت طفولته بتعدد التجارب
الاجتماعية والثقافية نتيجة اتساع رقعة انتشار عائلته (الرحبيين) وتنوع الأمكنة التي سكنوها.
وقد أتاح له هذا التنوع المبكر الاحتكاك بعقليات، ومعتقدات مختلفة، الأمر الذي أسهم في تكوين
نزعة تسامحية، وقدرة على تقبّل الآخر؛ من خلال القدرة على الدخول في حوارات ومحادثات
مع أناس بثقافات مختلفة.
كما أن الأحداث الكبرى التي عاصرها – سواء عبر أقاربه كخاله أحمد الرمضاني والأحداث
التي جرت له في زنجبار، أو من خلال موقع عائلته القريب من الفاعلين السياسيين – فتحت
وعيه على اتساع العالم، وكشفت له أن طفولته الآمنة لم تكن سوى جزء من واقع أكثر اضطرابًا.
وقد عرف مبكرًا قضايا النزاع بين الإمامة والسلطة، والتقى ببعض الشخصيات المؤثرة كالسيد
شهاب بن تيمور، والشيخ أحمد بن محمد الحارثي (أمير الشرقية). ومن هنا تتجاوز ذاكرته
الطفولة الفردية لتلامس أفق التاريخ السياسي والاجتماعي.
٢. فضاء المكان:
يتوزع فضاء المكان في ذاكرة الرحبي بين ثلاث نقاط مركزية شكّلت مثلث التجربة:
سرور، ولا سيما منطقة “التبينيات”، حيث تشكّلت جذور الطفولة.
بيت الخال أحمد الرمضاني، بما يحمله من عوالم حميمية وتجارب استثنائية.
مطرح، التي ارتبطت بالتسوق، والزيارات، ثم الدراسة والإقامة.
وتتطور علاقة الكاتب بهذه الأمكنة عبر الزمن: من أماكن عابرة إلى فضاءات تكوينية أساسية.
كما تحضر أماكن لم يزرها فعليًا لكنها موجودة في الذاكرة من خلال الأحداث التاريخية (مثل
القرى المرتبطة بنزاعات محلية)، أو عبر صلات عائلية (كأقاربهم في دماء والطائيين)، أو من
خلال امتداد التجربة العائلية إلى زنجبار وأحداث ثورتها. وهكذا يتحول المكان في ذاكرته إلى
فضاء متعدد المستويات: شخصي، عائلي، وتاريخي.
٣. فضاء الخيال:
لا تنفصل ذاكرة الرحبي عن الخيال، إذ يعمل الأخير على إعادة تشكيل التجربة في صور
متخيلة.
ويتخذ الخيال عدة أشكال:
أ): تخيلات الطفولة: مثل عوالم الجن والسحرة التي نسجتها الحكايات الشعبية، وغموض الأفلاج
وظلمتها ولانهائية جريانها، إلى جانب ارتباطها بحكايات أقرب للفنتازيا، كحكاية فلج النطالة بما
يحمله من خيالات الجن والعفاريت والثعابين المائية، و”الحبّاس” كفضاء شعري حي تلتقي فيه
الأصوات البشرية مع أنغام الطبيعة. هذه التفاصيل الصغيرة تشكّل أرشيفًا موازياً يكشف كيف
عاش الناس ونسجوا مخيلتهم في مواجهة الواقع، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل تعداه إلى تخيلاته
لحياة الموتى في قبورهم وهو تخييل وجودي، أثارته المقبرة بجانب بيت خاله.
ب): الخيال المرتبط بالرغبات: خاصة فيما يتعلق بالأحلام الجنسية، التي غذتها مشاهدات
الطبيعة (الحيوانات) والروايات الشعبية عن النساء الجميلات اللواتي يظهرن من البحر.
ج): الخيال البطولي: المتأتي من مرويات “المخلدي” عن الفرسان، والتي أشعلت خيال الرحبي
الطفولي فجعله يتقمص صورة الفارس الدونكيشوتي، ينخرط في معارك وهمية تنتهي بإصاباته
الطفولية.
إذن، الخيال عند الرحبي ليس مجرد إضافة جمالية، بل هو جزء من بنية الذاكرة ذاتها، يكمل ما
تغيب تفاصيله أو يتعذّر استرجاعه.
٤. الفضاء الافتراضي ( 5 ):
يُصدّر الرحبي كتابه باقتباس من سيوران يؤكد فيه أن القلق الفردي مردّه إلى قلق كوني، وأن
الولادة الأولى هي أصل كل قلق لاحق. يضيء هذا الاقتباس البعد الفلسفي لكتابة الرحبي، حيث
تتحول الذاكرة إلى فضاء افتراضي يتجاوز حدود السيرة الذاتية الفردية، ليتقاطع مع الأسئلة
الكونية الكبرى: عن البدايات، عن الزمن الأول، وعن عجز الإنسان عن القبض على لحظة
الأصل.
تعمل ذاكرة سيف الرحبي في شجرة الفرصاد عبر جدلية الزمن، والمكان، والخيال والافتراضي.
فهي ذاكرة تعيد إنتاج الطفولة لا بوصفها ماضيًا ساكنًا، بل باعتبارها فضاءً متحركًا يعكس تنوع
التجربة الإنسانية واتساعها، ويحوّل السيرة الذاتية إلى نصّ يتجاوز التوثيق إلى بناء عوالم
تخييلية وفلسفية.
لاخطية الذكريات عند سيف الرحبي في شجرة الفرصاد:
تكشف شجرة الفرصاد لسيف الرحبي عن سردٍ لاخطّي يتجاوز الترتيب الزمني التقليدي للسيرة
الذاتية. فالذاكرة عنده لا تعمل وفق تسلسل سببي مستقيم، بل عبر قفزات متقطعة تربط بين
مثيرات آنية في الحاضر وصور بعيدة من الماضي. هكذا يتحول سؤال بسيط يطرحه الابن –
كاستفسار عزّان عن الخفاش – إلى محفّز يفتح بابًا على الطفولة، فيستحضر الكاتب بيت الخال
وأجواء القرية، ومعتقداتها الشعبية. إن هذا النمط من التذكّر لا يعكس اضطرابًا أو عجزًا عن
التنظيم، بل يمثل استراتيجية جمالية تُعيد تشكيل الزمن السردي على هيئة شبكة من الاستدعاءات
المتداخلة.
إن لاخطية السرد عند الرحبي تكشف عن ثلاث خصائص مركزية: أولًا، انتقائية الذاكرة، حيث
تُستدعى صور معينة دون غيرها لتشكيل مشهد بعينه. ثانيًا، ازدواجية الزمن، إذ يتقاطع الماضي
بوصفه فضاءً حيًا ومتحركًا مع حاضرٍ معلب يفتقر إلى المعنى. ثالثًا، التراكب بين الواقعي
والمتخيَّل، حيث يتجاوز النص التوثيق الشخصي ليتحول إلى إعادة بناء تخييلية للذات والجماعة.
وبهذا المعنى، فإن شجرة الفرصاد لا تُقدّم السيرة كخط سردي متماسك، بل كسلسلة من
“الومضات الذاكرية” التي تُعيد ترتيب العلاقة بين الحاضر والماضي، وتؤسس لكتابة سيرية
تقوم على التعدد والتشظي بدلًا من الوحدة والانسجام.
عوالم النص ( 6 ) في شجرة الفرصاد لسيف الرحبي
ينفتح نص سيف الرحبي شجرة الفرصاد: من سيرة المكان والطفولة على مجموعة من العوالم
المتداخلة التي تتأسس على فعل الذاكرة وما تولّده من صور متحركة بين الماضي والحاضر.
يمكن تمييز هذه العوالم وفق ثلاثة مستويات رئيسية:
١. العالم الواقعي (الكون المرجعي) (Real World)
ينقسم العالم الواقعي في نص الرحبي إلى مستويين:
أولا: العالم الراهن: ويتمثل في لحظة التذكّر داخل منزل الكاتب، حيث ينغمس أبناؤه في اللعب،
ويشكّل ذلك مشهدًا حاضرًا يُثير الذاكرة، فيدفعه إلى استرجاع طفولته. ومن هنا يبدأ في رسم
خريطة قريته والعودة الذهنية إلى فضاءات الطفولة.
ثانيا: العالم الواقعي الماضي: ويتمثل في منزل خاله أحمد الرمضاني، حيث شجرة الفرصاد وما
ارتبط بها من مغامرات الطفولة وتجاربها. وقد اتخذ هذا العالم، في منظور الكاتب، طابعًا شبه
أسطوري أو فنتازي مقارنة بطفولة أبنائه المعاصرة، التي يراها محكومة بالجمود والانغلاق.
٢. عالم الخطاب (Discourse World):
هو العالم الذي ينشأ أثناء عملية التواصل بين النص وقارئه، ويتأسس على الذات المتكلمة
(الكاتب) والمتلقي (القارئ).
من جهة الكاتب: يتخذ الخطاب عند الرحبي شكل بوح داخلي، فهو لا يخاطب شخصية محددة
بقدر ما يحاور ذاته، محاولًا لملمة تشتته أمام مشهد الطفولة المعاصرة الخالية من الحيوية. يظهر
في خطابه إحساس بالشفقة على جيل يعيش طفولة مقيّدة، يفتقر إلى المغامرة والدهشة، مقارنة
بطفولته المليئة بالتجارب والانفتاح.
من جهة القارئ: يمكن تمييز نوعين من القراء:
١): قارئ يشارك الكاتب خبرة الطفولة القروية، فيتلقى النص كجزء من ذاكرته هو الآخر.
٢): قارئ ينظر إلى النص كعالم غرائبي يصعب تصديقه، فيراه أقرب إلى الحكايات الشعبية
(كحكايات فلج النطالة والجن)، حيث تفتقر بعض مفرداته وتجارب طفولته إلى تمثيل في المخيال
المعاصر.
ويُلاحظ أن السياق الانفعالي والعاطفي يلعب دورًا حاسمًا في عالم الخطاب، إذ تبدأ لحظة الذكرى
من إحساس عميق بالشفقة على أطفال الحاضر، وهو ما يدفع الكاتب إلى استعادة طفولته بوصفها
طفولة حافلة بالحركة والدهشة.
٣. عوالم النص (Text Worlds)
تتمثل عوالم النص في البنى التخيلية التي تتشكل في ذهن القارئ أثناء القراءة، وتُبنى على
عناصر أساسية: الزمان، المكان، الفاعلون، الحالات الشعورية، والأحداث.
أ): الزمان: يتوزع بين حاضر التذكر (لحظة القادح) وماضي الطفولة. يتحرك الجسد في
الحاضر بينما ينشط العقل في الماضي، مما يخلق ازدواجية زمنية متشابكة.
ب): المكان: يتنوع بين المنزل المعاصر، فضاءات القرية، منزل الخال، والمقابر والأشجار. هذا
التنوع المكاني يغذّي النص بالتشويق، ويُثريه بتعدد الفاعلين الهامشيين.
ج): الحالات الشعورية: تتراوح بين الخوف، والصلابة، والجرأة، والمرح، وغيرها، بما يعكس
ثراء التجربة الطفولية.
د): الأحداث: تتجسد في المغامرات اليومية للطفولة، والمطاردات، والاكتشافات، وما تولده من
معانٍ عن الحرية والانفتاح.
إلى جانب العوالم الأساسية، يتيح النص نشوء عوالم فرعية:
١): عالم افتراضي: قائم على التخيل والأمنيات، إذ يتخلل الذاكرة ضباب يجعلها تُستكمل بخيالٍ
فردي.
٢): عالم شرطي: يتجلى حين يتساءل الكاتب: ماذا لو لم يغادر قريته؟ ماذا لو بقي إلى جوار
والدته؟ فيفتح النص بذلك أفقًا افتراضيًا موازٍ لعالم الواقع.
٣): عوالم تكرارية: تظهر من خلال استدعاء أنماط حياتية متكررة (المغامرات، المطاردات،
التجمعات)، التي تمنح الطفولة إيقاعها الخاص.
يتضح من خلال هذه المستويات أن شجرة الفرصاد نصّ مشيّد على ذاكرة مولِّدة للعوالم، حيث
يتحول الماضي إلى فضاء تخييلي نابض، يتقاطع فيه الواقعي بالافتراضي، والخطاب الذاتي
بالخطاب القرائي، لتتعدد بذلك مستويات المعنى والتمثيل.
٣) عوالم النص في ذهن القارئ: (الز
مان – المكان – الفاعلون – الحالات الش
عورية – الأفعال والأحداث).
عوالم النص الفرعية: (العوالم الافتر
اضية – العوالم الشرطية – العوال
م التكرارية).
٢) تحليل الخ
طاب/ عوالم بين
القارئ والكاتب
١) العالم الو
اقعي/ واقع النص
مستويات العوالم
شجرة الفرصاد كوثيقة تاريخية
لا تقف شجرة الفرصاد عند حدود الذاكرة الشخصية أو الاسترجاع الفردي، بل تتجاوزها لتؤدي
وظيفة الوثيقة التاريخية التي تحفظ ملامح حقبة بكاملها. فهي تعيد تسجيل مشاهد وأحداث لم
تدونها كتب التاريخ الرسمية، وتستحضر وجوهًا محلية ظلّت مهمشة، لتصنع لها ذاكرة وتمنحها
حضورًا أمام القارئ.
إذ يتحدث سيف الرحبي عن شخصيات تاريخية معروفة مثل: عبدالله الطائي والشيخ حمد بن
عبيد السليمي، لكنه لا يكتفي بذلك، بل يعيد الاعتبار إلى أسماء عاشت على هامش السرديات
الكبرى: صيّاد الطبول ثاني بن سالمين القنّاص، الذي تحولت حكاياته في الجبال إلى أساطير
محلية؛ وعلي بن منصور الشامسي، قارئ الشعر الذي كان يفتن السامعين بنشوة صوته وذائقته
الجمالية الفريدة. هؤلاء لم يجدوا لأنفسهم مكانًا في التاريخ المكتوب، لكن السيرة تحتفظ بهم
بوصفهم أبطال الحياة اليومية.
وتبرز شخصية محمد بن سعيد المخلدي بوصفها نموذجًا آخر لهذا التوثيق. فقد كان المخلدي،
بخياله الخصب وقراءاته الواسعة، نافذة رحبة على الأدب العالمي والعربي، ومعلّمًا غير رسمي
لذائقة جيل كامل، رغم عزلته وبُعده عن الأطر المؤسسية. يصفه الرحبي كأنه “نظارة واقع
افتراضي” فتتحول مجالسه إلى مختبر للتذوق الأدبي والفكري، وتغدو ذاكرته جزءًا من الذاكرة
الجمعية للقرية.
بهذا المعنى، تتحول شجرة الفرصاد إلى سجل حيّ يجمع بين الذاتي والجمعي، بين ما هو
تاريخي وما هو هامشي، لتكشف أن الماضي لم يُصنع فقط من قامات كبرى وأحداث رسمية، بل
أيضًا من رجال عاديين وأمكنة متواضعة وتجارب لم تُسجَّل في الأرشيف المكتوب. إنها كتابة
تجعل من السيرة الذاتية وثيقة للتاريخ غير المكتوب، ومجالًا لإعادة الاعتبار لذاكرة المنسيين.
خاتمة:
يمكن النظر إلى شجرة الفرصاد لا بوصفها مجرد سيرة ذاتية أو نص تذكاري، بل بوصفها
أرشيفًا بديلًا للتاريخ يُكتب عبر آلية “الذاكرة المتخيلة”. فالنص لا يقدّم أحداثًا متسلسلة كما في
السير التقليدية، ولا يوثقها كما في كتب التاريخ، بل يصوغها ضمن ما يمكن أن نسمّيه “التاريخ
المتخيل”: تاريخٌ شخصي-جماعي يُعاد إنتاجه عبر التداخل المستمر بين الذكرى والخيال، بين
الشهادة والتأويل.
إن الاكتشاف هنا أن الرحبي لا يكتب ماضيه فحسب، بل يبتكر نمطًا جديدًا من الذاكرة السردية
يمكن أن نطلق عليه: “الذاكرة اللاإرشيفية”؛ فهي ذاكرة تتعمد الخيانة والنسيان والتشويش كي
تفتح فضاءً سرديًا يسمح بظهور المهمشين والمنسيين، ويعيد بناء الذات والواقع في آن. ومن ثم،
تصبح السيرة عند الرحبي مختبرًا معرفيًا تتجاور فيه حقول التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم
النفس، لكنها تنقلب جميعًا إلى مادة تخييلية قادرة على إنتاج معرفة من نوع آخر، معرفة لا تبحث
عن “الحقيقة”، بل عن معنى الوجود في الزمن.
وبذلك يقدّم شجرة الفرصاد اكتشافًا سرديًا فريدًا: أن الذاكرة ليست أداة لتثبيت الماضي، بل قوة
إبداعية لإعادة اختراعه، وأن كتابة السيرة هي في جوهرها مقاومة للغياب أكثر من كونها حفظًا
للوقائع.
تكشف تجربة سيف الرحبي في شجرة الفرصاد أن الذاكرة ليست أرشيفًا محايدًا للأحداث، بل هي
آلية انتقائية تُخفي بقدر ما تُظهر، وتستدعي بقدر ما تنسى. فهي قادرة على استرجاع اللحظات
البهيجة كما تستدعي فجأة جراحًا قديمة، ثم تمحوها أو تضعها في “صندوق المهملات” كي
تحمي الذات من الانكسار. ومن هنا تتحول كتابة السيرة إلى ممارسة مزدوجة: استعادة للماضي
وفي الوقت نفسه إعادة تشكيله. فالواقع حين يُستعاد على الورق لا يعود واقعًا خالصًا، بل مزيجًا
من التذكّر والتخييل، حيث يلتبس السؤال: هل ما كُتب حدث فعلًا، أم أن الذاكرة اختلقته لتعويض
فراغ النسيان؟
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى السيرة إلا باعتبارها كتابة ضد الفقد، وحيلة سردية لمقاومة محو
الذات. إنها كتابة تحيا في المسافة الملتبسة بين الواقع والمتخيل، بين الحضور والغياب، لتؤكد أن
الماضي ليس سوى حاضر آخر يُعاد بناؤه في كل فعل تذكّر. ولعل الرحبي نفسه يوجز هذه
الفلسفة حين يختم كتابه بمجاز الرحيل والانبعاث: “الموت صنو الحياة وإبحار لا متناهٍ نحو الله”.
المراجع والإحالات:
1 جاء في المعجم: فِرصاد (اسم): والفِرْصَادُ: اسم يطلق على التُّوتِ وهو صِبْغٌ أَحْمَرُ، ويطلق الفِرْصَادُ على نَوَى
العِنَب، وهو التوت العربي. شجرة الفرصاد من الأشجار المقاتلة في الأجواء الحارة، وهي شجرة ذات ثمار
لذيذة، حمراء اللون، وبالرغم ذلك فإنها ذات أغصان ظليلة، ومتطاولة، شجرة توت بلدي أو التوت الأسود شجرة
متساقطة الأوراق. نشأ التوت غربي إفريقيا، ويفضل النمو في المناطق ذات المناخ المعتدل. والتوت هو العائل
النباتي لدودة القز المستخدمة في إنتاج الحرير. وينمو التوت حتى ارتفاع بين 6 – 15 متراً، وانتشار التاج نحو
ذلك. والتاج مستدير ومنتظم الشكل.
من معجم المعاني الإلكتروني: (https://www.almaany.com/ar).
2 دو مونتيني، مشيل، مقال: “في قوة الخيال”: الفصل العشرون: الوارد في كتاب: المقالات، الكتاب الأول،
ترجمة: فريد الزاهي، دار معنى: السعودية، الطبعة: الأولى: ٢٠٢١، ص: ٢٠١ – ٢١٥
3 ملاحظة: كل الإحالات لكتاب الرحبي ستكون بالتوثيق الآتي:
الرحبي، سيف، شجرة الفرصاد – (من سيِرة الطفولة والمكان)، منشورات الجمل: ألمانيا، الطبعة الأولى:
٢٠١٦، حصلت على الكتاب في موقع الكاتب سيف الرحبي، رابط الكتاب:
(https://saifalrahbi.com/?p=986).
4 المرجع نفسه.
5 قد يبدو عالم الخيال ذاته العالم الافتراضي لكن الحقيقة أن الرحبي فعليا يعزل العالمين فعالم الخيال هو عالم
التصورات الأسطورية للعوالم الخفية كالجن والمغايبة، أما العوالم الافتراضية فهي العوالم الموازية والخيارات
التي تطرحها الحياة للأشخاص وهي من العوالم التي تشكل السيرة الذاتية، حيث تظهر لحظة الذكرى أسئلة
الكاتب حول: ماذا لو لم يحدث حدث ما؟ أين ستكون مآلات الشخصيات؟
6 المعلومات المتعلقة بنظرية عوالم النص جاءت بتصرف من:
1): Gavins, Joanna. Text World Theory: An Introduction. (2007). Edinburgh:
Edinburgh UP. ISBN# 978- 0-74862300-6. 224 pp.
2): Mahmood, Ayad Hameed and Saba Mohammed Farhud, Text World Theory in
Processing English and Arabic Dramatic Texts, Diyala Journal/2019, NO:80, :
https://www.researchgate.net/publication/365232943, this page was uploaded on 09
November 2022.
