عبدالوهاب الملوح *

الأمر متعلّق بقدرتك على استكشاف الكون من خلال الإمساك بإيقاعه. لا شعر ولا قصائد خارج سياق الشعرية، والشعرية أبعد من أن تكون مجرد كتابة. يقتضي الأمر شيئًا من تداعي الخطى، ذلك التداعي الذي يستوجب لهفة الترحال، كما هو شأن سيف الرحبي مع تداعيه في الشعر، مأخوذًا برؤى الترحّل.

وبقدر ما يظلّ الشاعر العماني سيف الرحبي في كتاب ليل المحطات والنجوم” (دار العين، 2024) شاعرًا كعادته، وعلى طريقته الخاصة، لكنه يخرج بهيئة الصوفي الذي لا يبدّل جبّته، ولكن يجعل منها محطة في طريق البحث عن الشطحة الكبرى؛ المحطة جبّة للتجلّي.

سيف الرحبي أحد أقطاب قصيدة النثر العربية، شأنه شأن عبد القادر الجنابي، عباس بيضون، بول شاوول، شربل داغر، عبده وازن، غير أنّه، وقد أدرك بعض أسرار الشعرية، شقّ طريقًا أخرى أكثر وعورة، وأشدّ تشبّثًا بفكره عن الجمالية، متهيّبًا فكرة الكلمة في سياقها الشعري. جعل له من الكتابة معبدًا للخروج من تحت سقف الرؤيا المبتذلة. لقد جعل الشعراء العرب اليوم الرؤيا قيمة إبداعية تافهة، وقد عرف صاحب “ليل المحطات والنجوم” كيف يعيد لها الاعتبار بإنقاذها من القصيدة ومن كتابة الشعر المبتذلة، فليس من مهامه أن يكون شاعرًا أو رائيًا بقدر ما هو وفيّ لكونه كائنًا شعريًا.

“ليل المحطات والنجوم” كتاب بلا عناوين ولا محطات توقّف، بل هو كتاب من نَفَس واحد في ترحّل، بتوقّفات متعدّدة عند تحوّلات العالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. يتمشّى سيف الرحبي محتملًا في دواخله كلّ ما يكابده المستكشف من قلق البحث الأنثروبولوجي، فيما تعتمله كائنات المحطات (المسافرون، الجدران، الحقائب، المقاعد، الأرصفة، الصافرات، الأغبرة…)؛ كلّ شيء يتحوّل إلى كائنات حيّة في المحطات، وكلّ شيء ينبض بالحياة. لم تعد المحطة موقف انتظار، بل موعد مخاض بالحياة، ومنها تستيقظ المدن المنسيّة، كما هو شأن المدن التي تظلّ ساهرة ثم تخلد للنوم، بينما لا نوم في المحطات ولا نسيان.

بقدر ما يظلّ الشاعر العماني سيف الرحبي في كتابه هذا شاعرًا كعادته، وعلى طريقته الخاصة، لكنه يخرج بهيئة الصوفي الذي لا يبدّل جبّته  


ليس من السهل الرهان بالكتابة على المحطات، فذلك ليس بالأمر المجاني، إذ إن فكرة المحطة في حدّ ذاتها هي مقاربة شعرية لفكرة وجود الكائن عمومًا في الأرض، التي إنما هي جسر عبور بين موتين، وفي النهاية هي مجرّد محطة بينهما. جعل منها الشاعر محطات ضوئية تخفق نجومًا. تلك هي البشائر والأضواء التي لا أحد بقدرته أن يبتكرها غير شاعر، وليس أي شاعر سوى سيف الرحبي، الذي عانى الترحال في غيابة صحراء عُمان وصحراء الجزيرة، ناهيك عن أنّه ما زال يترحّل في وعثاء الثقافة العربية.

من السهل تصنيف هذا الكتاب ضمن “أدب الرحلات”، غير أنّه لا يصلح لأن يكون دليل رحلات سياحية، كما لا يصلح لأن يكون كتاب مخطّط جغرافي، ولعلّه بطاقة استدعاء للمرحلة في حبّ متاهة الحياة، دونما شقاء المشي المستمر، من خلال الاستمتاع بالتوقّف عند المحطات.

ليس المهم أن تكون شاعرًا، وليس المهم أن تخرج على الناس بصفة الرائي. فسيف الرحبي هنا هو المترحّل المكابد عن القصيدة وعن الحكمة؛ فهو الذي أمسك بروح الحجر في رصيف المحطات، ونبض الخشب في مقاعدها، واللهفة في روح المتروكين في الانتظار.

ليس الليل هنا عتمة بما فيها من فراغ وسواد وبياض وانعدام حركة وحديث موات. ليس الليل بما هو انتهاء نهارات وانكسار وازدحام أشباح وهبوط في الأدرينالين. ليس الليل بما هو ازدهار للاكتئاب. إنما هو أيضًا محطة تومض فيها نجوم بلا سماء، محطة للمسافر الأبدي بلا حقائب، المسافر بين مدن مجهولة مأهولة بضجيج السؤال عن الأبد المعلّق في مشجب الغياب.

فالكتاب هنا حقيقة كتابة بلا استعارة، ولو أنّها تتكئ في أغلبها على المجاز لتشرع للمزاج أبواب بهجة الحياة.

* كاتب تونسي.